حقائق صادمة تكشف لماذا لم ينهض اقتصاد السودان رغم ثرواته الهائلة
مقدمة: لغز الوفرة والفقر
لماذا يعاني السودان، بلد الموارد الهائلة من ذهب وأراضٍ خصبة وثروة حيوانية ونفط، من أزمات اقتصادية متلاحقة؟ هذا هو السؤال المحيّر الذي يطرحه الكثيرون وهم ينظرون إلى واقع بلد يبدو وكأنه يملك كل مقومات النهضة، لكنه يغرق في دوامة من الفقر والصراع. الإجابة لا تكمن في الحاضر فقط، بل في جذور تاريخية عميقة وأنماط اقتصادية موروثة لا تزال تشكّل واقعه اليوم.
في هذا المقال، سنستعرض خمس حقائق مدهشة وغير متوقعة من تاريخ الاقتصاد السوداني، مستقاة من تحليل الخبير الاقتصادي الدكتور صدقي كبلو. هذه ليست مجرد نقاط منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة مدمرة من التبعية وسوء الإدارة والنهب الممنهج؛ سلسلة بدأت مع المخطط الاستعماري الذي صُمم لإبقاء السودان تابعًا، ومرّت بفوضى ما بعد الاستقلال التي فجّرت الصراعات على الموارد، ووصلت ذروتها في نموذج "الدولة المرتزقة" الذي أشعل الحرب الحالية. هذه الحقائق ستغير نظرتك لأسباب الأزمة، وتكشف أن ما نراه اليوم ليس سوى نتيجة حتمية لمسار طويل تم رسمه بدقة عبر العصور.
--------------------------------------------------------------------------------
1. المخطط الاستعماري للاقتصاد: مصمَّم للبقاء تابعًا
لم يكن الاقتصاد السوداني الحديث وليد الصدفة، بل تم تصميمه بعناية فائقة خلال الحقبة الاستعمارية ليخدم مصالح بريطانيا. صُمم الاقتصاد ليحتجز السودان في الحلقة الأولى والأقل ربحية من "سلسلة القيمة" (Value Chain)، وهي حلقة إنتاج المواد الخام الرخيصة، بينما يُمنع من الصعود إلى الحلقات الأكثر ربحية كالتصنيع والتسويق. كانت الفلسفة واضحة: أن يظل السودان موردًا للخام وسوقًا لاستهلاك السلع المصنعة، وقد تجلى هذا المخطط بوضوح في سياسات محددة:
- القطن: عندما أنشأ البريطانيون مشروع الجزيرة، كان هدفهم الوحيد هو الحصول على القطن الخام لتغذية مصانع النسيج في بريطانيا. أقاموا "المحالج" في السودان ليس لتطوير صناعة نسيج محلية، بل فقط لتسهيل عملية الشحن وتقليل تكلفتها بحلج القطن وفصله عن بذوره، متوقفين عمدًا عند هذه المرحلة الأولية من التصنيع.
- الفول السوداني: مع تزايد الطلب العالمي على الحبوب الزيتية، أقام البريطانيون "القشّارات" في غرب السودان. كانت مهمتها تقشير الفول لتخفيف وزنه وتسهيل شحنه. مرة أخرى، لم تتجاوز العملية هذه الخطوة البدائية، مما حرم السودان من فرصة إنشاء صناعة زيوت متطورة للتصدير.
- الصمغ العربي: هذا النمط ليس مجرد تاريخ، بل هو واقع مستمر. عندما حاول السودان رفع قيمة الصمغ العربي عبر معالجته محليًا وتحويله إلى مسحوق، واجه مقاومة شرسة من فرنسا التي تحتكر صناعة معالجته عالميًا. هذا يثبت أن الهيكل الاستعماري لا يزال يقاوم أي محاولة للسودان للتحرك صعودًا في سلسلة القيمة.
- قاعدة التبادل غير المتكافئ: هذا التصميم خلق علاقة تجارية غير عادلة بطبيعتها. يلخص د. كبلو هذه الفكرة بمثال توضيحي بسيط ومؤلم: "إذا كنا بالأمس نصدر طنًا من الحبوب الزيتية لنستورد بطارية سيارة، فمع مرور الزمن سنحتاج لتصدير طنين من الفول لنحصل على نفس البطارية". بمرور الوقت، تتدهور قيمة المواد الخام التي يصدرها السودان مقارنة بقيمة السلع المصنعة التي يستوردها، مما يؤدي إلى إفقار بنيوي ومستمر للبلاد.
--------------------------------------------------------------------------------
2. الدولة المهدية: فكر اقتصادي يسبق عصره
على عكس الصورة النمطية السائدة عن الدولة المهدية كدولة دينية عسكرية فقط، فإنها تبنّت سياسات اقتصادية متقدمة بشكل لافت، تكشف عن وعي عميق بقضايا العدالة وإدارة الموارد.
- إصلاح زراعي في دارفور: أصدر المهدي منشورًا موجهًا لأهل دارفور تضمن مبدأ "الأرض لمن يفلحها". كان المنشور يهدف إلى منع احتكار الأراضي من قبل العائلات الكبيرة، مشجعًا الأفراد على زراعة ما يستطيعون فقط، وهي فكرة تشبه إلى حد كبير إصلاحات زراعية حديثة تهدف إلى تحقيق العدالة في توزيع الأراضي.
- أول تأميم في تاريخ السودان: في خطوة غير مسبوقة، استولت الدولة المهدية على "المشارع" (مراسي القوارب والمعديات) على النيل الأزرق وأخضعتها لإدارتها المباشرة. يمكن اعتبار هذه العملية أول تأميم للمرافق العامة في تاريخ السودان، بهدف تنظيمها وتحصيل إيراداتها لصالح بيت المال.
- نظرية نقدية حديثة: ربما تكون العبقرية الاقتصادية الأبرز في تلك الفترة قد تجلّت في فهم أمين بيت المال لطبيعة النقود. عندما واجه النور الجريفاوي، أحد مديري بيت المال، اتهامًا بأنه سكّ عملة لا قيمة لها بخلطها بالنحاس والحديد، كان رده على الخليفة عبد الله التعايشي بمثابة درس في الاقتصاد الحديث.
يا خليفة المهدي، العملة أهميتها مش بكمية المعدن فيها، أهميتها بالإمضاء بتاعك ده الموجود فيها.
هذه العبارة البسيطة تعكس فهمًا عميقًا لمفهوم "العملة الإلزامية" (Fiat Currency)، الذي تقوم عليه كل النظم النقدية الحديثة. فكرة أن العملة لا تستمد قيمتها من قيمة الذهب أو الفضة المصنوعة منها، بل من ثقة الناس في سلطة الدولة الضامنة لها (المتمثلة في "إمضاء" الخليفة)، هي نظرية سبقت عصرها بقرون.
ومع ذلك، فإن هذا الفكر المتقدم لم ينقذ اقتصاد الدولة المهدية، الذي ظل ضعيفًا بسبب عوامل هيكلية مدمرة، أهمها الحروب المستمرة، وسياسات التهجير القسري للقبائل المنتجة إلى العاصمة، والحصار الاقتصادي الخارجي حيث ظل ميناء سواكن الرئيسي خارج سيطرتها.
--------------------------------------------------------------------------------
3. جذور صراع دارفور: سياسات اقتصادية وليست مجرد نزاع قبلي
كثيرًا ما يتم تصوير الصراع في دارفور على أنه نزاع قبلي أزلي بين "العرب" و"الزرقة". لكن الحقيقة، كما يكشف التاريخ الاقتصادي، أن السياسات الكارثية التي طُبّقت بعد الاستقلال هي التي زرعت بذور هذه المأساة فوق أرض كانت تنعم بتوازن بيئي واجتماعي دقيق.
- النظام التقليدي والبريطاني: تاريخيًا، كانت سلطنة الفور تنظم استخدام الأراضي عبر نظام "الحاكورة" (Hakura)، حيث كانت تمنح القبائل الرعوية مثل الرزيقات حقوق استخدام أراضٍ محددة. لاحقًا، ولخدمة أهدافها الإدارية، وضعت الإدارة البريطانية نظامًا صارمًا تضمن قوانين للحفاظ على الغابات، وتنظيم دقيق لمسارات الرعاة ومواسم تحركهم لمنع الاحتكاك مع المزارعين، بالإضافة إلى نظام "إنذار مبكر" للمجاعات.
- فوضى ما بعد الاستقلال: بعد الاستقلال، انهار هذا النظام الإداري بالكامل. سُمح للتجار ورجال القبائل النافذين بالتوسع العشوائي في الزراعة الآلية، مما أدى إلى قطع جائر للغابات، وتسريع زحف الصحراء، وتقليص مساحات المراعي بشكل هائل.
- الشرارة الاقتصادية للصراع: مع موجة الجفاف الشديدة في الثمانينيات، كان هذا التدهور البيئي هو الشرارة التي أشعلت الصراع. أُجبر الرعاة الشماليون، الذين فقدوا مراعيهم، على التحرك جنوبًا في غير مواعيدهم ودخول أراضي المزارعين قبل موسم الحصاد بحثًا عن الكلأ. أدت هذه الاحتكاكات المباشرة إلى اندلاع حروب كانت في جوهرها صراعًا اقتصاديًا على الموارد الشحيحة، قبل أن تستغلها النخب السياسية وتحولها إلى صراع عنصري وسياسي مدمر.
--------------------------------------------------------------------------------
4. مليارات النفط المفقودة: الثروة التي لم تدخل خزينة الدولة
تعتبر قصة عائدات النفط أكبر جريمة اقتصادية في تاريخ السودان الحديث. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن تتحول فيه البلاد إلى قوة اقتصادية إقليمية، تبخرت الثروة دون أن تترك أثرًا يذكر، في مثال صارخ على النهب الممنهج وغياب الرؤية.
- الأرقام الصادمة: بين عامي 1999 و 2019، تُقدّر عائدات النفط التي كان من المفترض أن تدخل خزينة الدولة بحوالي 126 مليار دولار.
- مفارقة القروض والتنمية: على الرغم من هذا المبلغ الهائل، لم تدخل هذه الأموال الدورة الاقتصادية. فكل مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تم تنفيذها في تلك الفترة لم تُموّل من عائدات النفط، بل تم تنفيذها بالكامل عبر قروض أجنبية، معظمها من الصين، مما أثقل كاهل الدولة بالديون.
- شهادة من أهل الحكم: الدليل القاطع على ضياع هذه الثروة جاء من داخل النظام نفسه. ففي تصريح شهير، تساءل نائب رئيس الجمهورية السابق، بكري حسن صالح، علنًا عن مصير 66 مليار دولار من عائدات البترول.
- مطار الخرطوم الضائع: أوضح مثال على انعدام الرؤية هو فشل النظام في بناء مطار الخرطوم الجديد. لم يكن المطار مشروعًا ترفيهيًا، بل استثمارًا استراتيجيًا كان سيحول الخرطوم إلى مركز قاري للطيران والخدمات اللوجستية، ويدر إيرادات ضخمة. لكن أموال القرض المخصصة له تم تحويلها ببساطة لـ "أشياء أهم"، مما كرس التخلف وأضاع فرصة تاريخية.
--------------------------------------------------------------------------------
5. الدولة المرتزقة: عندما يصبح تصدير الجنود سياسة اقتصادية
لم يكن هذا النموذج جديدًا بالكامل، بل كان إحياءً لسياسة استعمارية قديمة تعود للقرن التاسع عشر: سياسة محمد علي باشا القائمة على "المال والرجال". لقد أعاد نظام البشير إحياء هذه السياسة، ولكن بشكل أكثر خطورة وتدميرًا لكيان الدولة، حيث لعبت الإمارات دور "محمد علي" الجديد.
- من اليمن إلى أوروبا: تم تحويل مليشيا "الدعم السريع" إلى أداة لتصدير المرتزقة للمشاركة في حرب اليمن مقابل أموال طائلة. لاحقًا، أصبحت نفس المليشيا أداة لتنفيذ سياسات الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، أيضًا مقابل المال.
- تقوية الميليشيا على حساب الدولة: هذه السياسة خلقت علاقات مالية وعسكرية مباشرة بين قادة المليشيا (تحديدًا حميدتي) ودول أجنبية (مثل الإمارات)، بعيدًا عن سيطرة الدولة ومؤسساتها الرسمية. هذا الدعم الخارجي قوّى شوكة المليشيا ومكّنها اقتصاديًا وعسكريًا، لتصبح دولة داخل الدولة.
- الصلة بالحرب الحالية: الحرب الدائرة حاليًا في السودان هي النتاج المباشر لهذا النموذج. إنها صراع اقتصادي عنيف على الموارد (خاصة الذهب) والنفوذ الذي تم بناؤه عبر سنوات من سياسات الارتزاق، حيث شعرت المليشيا بأنها أصبحت أقوى من الدولة نفسها وقررت الاستيلاء على السلطة بالكامل.
--------------------------------------------------------------------------------
خاتمة: هل يمكن كسر الحلقة المفرغة؟
الاستنتاج الرئيسي واضح: الأزمة الاقتصادية في السودان ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة لأنماط تاريخية وسياسات ممنهجة. هذه الأنماط التاريخية من التبعية لم تكن لتستمر لولا وجود طبقة محلية مستفيدة، أطلق عليها د. كبلو اسم "الرأسمالية الطفيلية". هذه الطبقة، على عكس الرأسمالية المنتجة، لا تزدهر عبر بناء الصناعة والزراعة، بل عبر الاستيلاء على موارد الدولة والريع، من خلال الفساد والسمسرة، سواء كان ذلك في مليارات النفط المفقودة أو في نموذج الدولة المرتزقة. لقد تم تصميم الاقتصاد السوداني ليظل ضعيفًا، ثم أجهزت عليه هذه الطبقة الطفيلية التي عمّقت التبعية وحولت موارد البلاد إلى ثروات خاصة.
بعد فهم هذه الجذور العميقة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للسودانيين اليوم، وهم يواجهون منعطفًا تاريخيًا، أن يضعوا أسسًا لاقتصاد وطني حقيقي يخدم مصالح شعبهم ويكسر هذه الحلقة المفرغة إلى الأبد؟
تعليقات
إرسال تعليق