تحليل اقتصادي: جذور التبعية وتأثيرها على مسار الاقتصاد السوداني
مقدمة
يعاني الاقتصاد السوداني من أزمات هيكلية متجذرة، لا يمكن فهمها بمعزل عن المفهوم المحوري "للتبعية الاقتصادية" الذي أُرسيت قواعده في الحقبة الاستعمارية. تم تصميم هذا النظام بعناية لجعل السودان مجرد منتج للمواد الخام، مثل القطن والصمغ العربي والحبوب الزيتية، وفي المقابل، جعله مستهلكًا للسلع المصنعة القادمة من المركز الاستعماري. وقد أدى هذا النموذج إلى إعاقة أي محاولة حقيقية للتصنيع المحلي، ومنع تكوين قيمة مضافة داخل البلاد، مما رسخ علاقة غير متكافئة استمرت لعقود.
يهدف هذا التحليل إلى تتبع مسار هذه التبعية تاريخيًا، بدءًا من جذورها في المشروع الاستعماري، مرورًا بفشل الحكومات الوطنية المتعاقبة بعد الاستقلال في تفكيك هذا الهيكل، وانتهاءً بحقبة الإنقاذ التي شهدت تدميرًا ممنهجًا للقطاعات الإنتاجية. سنوضح كيف أن السياسات المتعاقبة لم تفشل في الخروج من حلقة التبعية فحسب، بل عمّقتها وأضافت إليها أبعادًا جديدة من الفساد واقتصادات الميليشيات، مما أفضى في النهاية إلى الأزمات المتلاحقة التي بلغت ذروتها في الحرب الحالية.
--------------------------------------------------------------------------------
1.0 أسس التبعية الاقتصادية: المخطط الاستعماري
إن فهم النموذج الاستعماري الأصلي ليس مجرد تمرين تاريخي، بل هو ضرورة استراتيجية لفهم طبيعة التحديات الاقتصادية الراهنة. فهذا النموذج يشكل الإطار الذي تطورت ضمنه كافة الأزمات اللاحقة، حيث رسم حدود الممكن والمستحيل للاقتصاد السوداني، وحدد دوره في النظام الاقتصادي العالمي كطرفٍ تابع.
1.1. نموذج الاستغلال: المواد الخام مقابل السلع المصنعة
قامت الآلية الأساسية للتبعية على تقسيم عمل واضح: السودان ينتج والمستعمر يصنّع. وقد تم تطبيق هذه الآلية بصرامة لمنع أي منافسة محتملة، كما يتضح في الأمثلة التالية:
- القطن: تمت زراعة القطن طويل التيلة في مشروع الجزيرة خصيصًا لتلبية احتياجات مصانع النسيج البريطانية. واقتصر التصنيع المحلي على "الحلج" الأولي في محالج موسمية لا تعمل سوى لأقل من ستة أشهر في العام، وهي عملية ضرورية لتسهيل الشحن وتقليل تكاليفه، مع تجنب أي خطوة تصنيعية لاحقة كالغزل أو النسيج.
- الفول السوداني: اقتصرت المعالجة المحلية على إنشاء "قشارات" في غرب السودان لتقشير الفول وتخفيف وزنه وتسهيل شحنه. وعندما قامت صناعة زيوت لاحقًا، كانت إما للاستهلاك المحلي بجودة منخفضة، أو لتصدير زيوت خام غير مكررة إلى أوروبا، مما يضمن بقاء القيمة المضافة الأعلى في يد المصنّع الأجنبي.
- الصمغ العربي: عندما ظهرت محاولات لإضافة قيمة للصمغ العربي عبر معالجته محليًا، واجهت هذه المحاولات مقاومة شرسة من فرنسا، التي كانت تحتكر صناعة تكرير الصمغ عالميًا. وتكمن المفارقة في أن مجرد عملية فرز وتصنيف الصمغ حسب جودته، كما فعل أحد مديري شركة الصمغ العربي سابقًا، أدت إلى رفع قيمته بشكل ملحوظ في السوق العالمية، مما يكشف عن حجم القيمة المضافة الهائلة التي ظلت محتكرة في الخارج.
1.2. تدهور شروط التبادل التجاري
تُعد ظاهرة "تدهور نسب التبادل التجاري" إحدى النتائج الحتمية لهذا النموذج. ويعني هذا المفهوم أن سعر المواد الخام يتدهور بمرور الزمن مقارنة بسعر السلع المصنعة. فإذا كان السودان في الماضي يصدر طنًا واحدًا من الفول السوداني ليستورد بطارية سيارة، فإنه بمرور الزمن سيصبح مضطرًا لتصدير طنين من الفول للحصول على نفس البطارية. هذه المعادلة تؤدي إلى إفقار مستمر للريف المنتج، وقد عبّر عن منطقها ببراعة أحد شيوخ الأبيض حين قال: "ما نحنا بنبيع بهايمنا دي عشان شنو؟ ما عشان نشتري بضاعتكم السكر والشاي. سكركم وشايكم بيجي غالي، بهمنا ما تغلى ليه؟".
لقد أسس هذا النموذج الاقتصادي الاستعماري نمطًا من الاستغلال رسّخ الدوافع التاريخية للسيطرة على موارد السودان، وهي دوافع لم تنتهِ بالاستقلال بل استمرت بأشكال مختلفة.
--------------------------------------------------------------------------------
2.0 الجذور التاريخية لاستغلال الموارد: من محمد علي باشا إلى الحكم الثنائي
لم يبدأ استغلال موارد السودان مع الاستعمار البريطاني، بل له جذور أعمق في السياسات الإقليمية التي سبقت الحكم الثنائي وشكلت حدود الدولة واقتصادها الأولي. لقد أرست هذه السياسات نمطًا من الاستخراج والنهب استمر لعقود، وتحول إلى عقيدة حكم لدى القوى التي تعاقبت على السيطرة على البلاد.
2.1. عهد محمد علي باشا: عقيدة "المال والرجال"
كان الدافع الاقتصادي الأساسي لحملة محمد علي باشا على السودان عام 1821 هو تحقيق عقيدته المتمثلة في "المال والرجال". وقد تجسدت هذه العقيدة في نقطتين:
- المال: تمثل في البحث المحموم عن الذهب في مناطق بني شنقول وجبال النوبة.
- الرجال: تمثل في تجنيد السودانيين قسرًا في الجيش المصري، بل واستخدامهم كمرتزقة في جيوش أجنبية. إن هذا النمط الاستغلالي القديم يعاد إنتاجه اليوم، حيث تلعب دولة الإمارات العربية المتحدة دور محمد علي باشا الجديد، فتستقبل الذهب السوداني المهرب وتستخدم قوات الدعم السريع كمرتزقة لتحقيق أجندتها الإقليمية، مما يعيد إنتاج نفس علاقة النهب القديمة.
2.2. الدولة المهدية: محاولة بناء اقتصاد مستقل وتحدياته
مثلت الدولة المهدية محاولة مبكرة للخروج من النمط الاستغلالي السائد، وبناء اقتصاد مستقل قائم على مبادئ إسلامية. إلا أن هذه التجربة واجهت تحديات جسيمة.
- نقاط القوة:
- اعتمد الاقتصاد على مبادئ الفكر الإسلامي مثل بيت المال لجمع الزكاة والغنائم.
- ظهرت عبقرية اقتصادية فذة في إدارة بيت المال، كما يتضح من حادثة خلط العملة بالنحاس لمواجهة ندرتها. وعندما شكك الخليفة في قيمتها، جاء الرد العميق من أمين بيت المال: "يا خليفة المهدي، العملة أهميتها مش بكمية المعدن فيها، أهميتها بالإمضاء بتاعك ده الموجود فيها". هذا الرد يجسد فهمًا متقدمًا لنظرية العملة الإلزامية (Fiat Currency)، حيث تستمد العملة قيمتها من ضمان الدولة لها.
- أصدر المهدي منشورًا "ثوريًا" لإصلاح الأراضي في دارفور، يقوم على مبدأ "الأرض لمن يفلحها"، وهو ما كان تفكيرًا متقدمًا في ذلك العصر.
- نقاط الضعف:
- أدى "اقتصاد الحرب" المستمر، والحصار الخارجي المفروض على ميناء سواكن، وعمليات التهجير الداخلية التي أمر بها الخليفة عبد الله لنقل القبائل المنتجة إلى أم درمان، إلى إضعاف الإنتاج الزراعي ودخول البلاد في مجاعة مدمرة.
2.3. الحكم الثنائي ورؤية اللورد كرومر
وضع اللورد كرومر، الحاكم الفعلي لمصر والسودان، مشروعًا اقتصاديًا واضح المعالم شكل الاقتصاد السوداني لعقود طويلة. وقد لخص رؤيته بالقول: "أريد أن أحرر تجارة السودان من النفوذ المصري، لذا أريد لخط السكة الحديد أن يمتد إلى البحر الأحمر... أريد لخط السكة حديد أن يعمر أرض الجزيرة ويتجه لكردفان لجلب خيراتها... وأن أبني خزانًا أو خزانين على النيل الأزرق". وتحقيقًا لهذه الرؤية، تم:
- فصل الاقتصاد السوداني عن المصري لضمان السيطرة البريطانية الكاملة.
- إنشاء بنية تحتية استراتيجية تخدم أهداف الاستعمار، بمد خط السكة حديد إلى ميناء بورتسودان، وتوجيهه نحو كردفان والجزيرة.
- تأسيس مشروع الجزيرة لزراعة القطن، وبناء خزان سنار.
كان لهذا المشروع أثر مزدوج؛ فمن ناحية، خلق "جيوبًا رأسمالية" حديثة وموّل جهاز الدولة بالكامل من عائداته. لكنه في الوقت نفسه، رسّخ علاقة غير متكافئة بين المركز (الخرطوم والجزيرة) والأطراف المهمشة، وأبقى الريف في حالة من التخلف التقليدي.
إن هذا الهيكل الاقتصادي المشوه، الذي يخدم مصالح المركز على حساب الأطراف، هو ما ورثته الدولة الوطنية عند الاستقلال، لتجد نفسها أمام تحدي تفكيكه أو السير على خطاه.
--------------------------------------------------------------------------------
3.0 معضلة ما بعد الاستقلال: استمرارية الهيكل وتعميق التبعية (1956-1989)
تكمن المفارقة الأساسية لمرحلة ما بعد الاستقلال في أنه على الرغم من تحقيق الاستقلال السياسي، فشلت الحكومات الوطنية المتعاقبة في تفكيك الهيكل الاقتصادي الموروث عن الاستعمار. بل على العكس، أدت سياساتها قصيرة النظر، التي غلّبت المصالح الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية الشاملة، إلى تعميق هذا الهيكل وترسيخه.
3.1. إرث النخبة الجديدة
ورثت الحكم نخبة جديدة مكونة من "الأفندية" (كبار الموظفين)، والأرستقراطية الدينية والقبلية، وكبار التجار. وبدلاً من السعي نحو تغيير جذري، حافظت هذه النخبة على الاقتصاد الريعي لضمان مصالحها الخاصة. تم استخدام عائدات الدولة، خاصة من مشروع الجزيرة، لتمويل الجهاز الإداري المتضخم ودفع المرتبات، بدلاً من توجيهها نحو مشاريع تنمية حقيقية وشاملة في الأقاليم.
3.2. فشل خطط التنمية
شهدت هذه الفترة محاولات تنموية متعثرة، اتسم معظمها بسوء التخطيط والاعتماد على افتراضات غير واقعية:
- حكومة عبود: فشلت "الخطة العشرية" التي تبناها النظام العسكري، حيث اعتمدت بشكل غير واقعي على مساهمة قطاع خاص تجاري متخلف وغير مؤهل للقيام باستثمارات إنتاجية كبرى.
- حكومة نميري: اتسمت سياساته الاقتصادية بالطبيعة "الهوجاء" والمتقلبة. ففي تناقض صارخ، دعت خطته الخمسية القطاع الخاص للعب دور كبير، بينما قام هو في الوقت نفسه بتأميمه عشوائيًا، مما شلّ قدرته. وعانت المشاريع الكبرى الممولة بالقروض، كمشروع بابنوسة، من سوء تخطيط كارثي، حيث أوضح خبير روسي أن المشروع فشل لأن الحكومة لم تفِ بالتزاماتها، مثل إنشاء مزرعة ألبان مكملة للمصنع.
3.3. نشوء الرأسمالية الطفيلية ودور البنوك الإسلامية
شهدت فترة حكم نميري تحولًا نوعيًا في طبيعة الاقتصاد، حيث تحولت البنوك الإسلامية التي أُنشئت في عهده من أداة تمويل مفترضة إلى أداة للمضاربات التجارية البحتة، لتصبح "عبئًا على الاقتصاد". ومن رحم القطاع العام الفاسد، الذي كان يعج بالسمسرة والعمولات، نشأت طبقة جديدة من "الرأسمالية الطفيلية" التي ورثها الإسلاميون لاحقًا وعملوا على توسيعها.
لقد مهدت هذه الفترة من الفشل الاقتصادي وتراكم الديون ونشوء طبقة طفيلية لا تهتم بالإنتاج، الطريق لانهيار اقتصادي وأخلاقي أوسع نطاقًا في فترة حكم الإنقاذ التي تلتها.
--------------------------------------------------------------------------------
4.0 حقبة الإنقاذ (1989-2019): التمكين الاقتصادي والتدمير الممنهج
مثلت فترة حكم الإنقاذ التي امتدت لثلاثة عقود تحولًا من سوء الإدارة إلى التخريب الاقتصادي المتعمد. في هذه الحقبة، تم استخدام موارد الدولة، وخاصة الثروة النفطية الهائلة، ليس لتحقيق تنمية وطنية، بل لتمكين فئة معينة سياسيًا واقتصاديًا، على حساب التدمير الممنهج للقطاعات الإنتاجية التاريخية التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني.
4.1. مفارقة الثروة النفطية: الإيرادات المفقودة
تعتبر عائدات البترول المثال الأبرز على الفساد الممنهج الذي ساد هذه الفترة.
- تشير التقديرات إلى أن حصة الدولة من عائدات النفط بين عامي 1999 و 2019 بلغت حوالي 126 مليار دولار.
- الحقيقة الصادمة هي أن هذه الأموال الضخمة "لم تدخل الدورة الاقتصادية"، وظلت المشاريع الكبرى مثل بناء الكباري والطرق تُمول بالقروض الخارجية.
- بلغ حجم الضياع درجة دفعت نائب الرئيس آنذاك، بكري حسن صالح، للتصريح علنًا: "قال أنا ما أعرف الـ 66 مليار من البترول مشت وين".
4.2. تفكيك أعمدة الاقتصاد السوداني
ارتكبت في هذه الفترة جرائم اقتصادية كبرى أدت إلى تفكيك البنية الإنتاجية للدولة:
- تدمير السكة حديد: لم يكن تدمير وسيلة النقل الأكفأ والأقل تكلفة في بلد شاسع مثل السودان مجرد إهمال، بل كان سياسة تخريب اقتصادي متعمد ذات عواقب وخيمة، حيث أدت إلى ارتفاع تكاليف النقل بشكل هائل، مما انعكس سلبًا على أسعار السلع وأثقل كاهل المواطنين والمنتجين.
- تخريب مشروع الجزيرة: تم تدمير هذا المشروع العملاق بشكل منظم عبر قانون 2005 الذي فكك إدارته، إلى جانب الفساد المستشري في مقاولات تطهير القنوات، مما حوله من مشروع إنتاجي منظم إلى حالة من الفوضى.
- انهيار صناعة النسيج: تم إغلاق المصانع الرئيسية التي كانت تمثل قلاع الصناعة السودانية، مثل مصنع النسيج السوداني، ومصنع الحصاحيصة، ومصنع غزل الحاج عبد الله، كجزء من عملية تدمير شاملة للقطاع الصناعي.
4.3. "دولة الارتزاق" والفساد المحمي
صاغ المحلل أليكس دي وال مصطلح "دولة الارتزاق" لوصف التحول الذي طرأ على طبيعة الدولة. فقد تحولت الدولة إلى تصدير المرتزقة (الدعم السريع إلى اليمن) والتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة، وهي أموال لم تدخل خزينة الدولة بل استفاد منها قادة النظام والميليشيات بشكل شخصي. الأهم من ذلك، أن الفساد في هذه الفترة لم يعد مجرد "رشوة" كما في العهود السابقة، بل تحول نوعيًا ليصبح، على حد تعبير حسن الترابي، "فسادًا عامًا ومحميًا"، أي أنه أصبح أداة أساسية للحكم ومنهجًا لعمل الدولة وتوزيع الثروة.
إن هذا الإرث الثقيل من التدمير الاقتصادي والفساد العميق والميليشيات الممولة خارجيًا هو ما ورثته الفترة الانتقالية، وهو الذي مهد الطريق بشكل مباشر للصراع المدمر الحالي.
--------------------------------------------------------------------------------
5.0 الأزمة الراهنة: من صراع السياسات إلى حرب الموارد
لم تكن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 حدثًا مفاجئًا، بل هي الذروة المنطقية لعقود من الصراع على الموارد، والتجسيد العنيف لانهيار الدولة الاقتصادية لصالح اقتصاد الميليشيات والشبكات الطفيلية. إنها حرب تدور رحاها حول من يسيطر على ما تبقى من ثروات البلاد.
5.1. الفترة الانتقالية: تردد وحسم لصالح الصدمة
ساد الفترة الانتقالية نقاش اقتصادي حاد بين تيارين رئيسيين حول كيفية معالجة الأزمة الموروثة، ويمكن تلخيص وجهتي نظرهما كالتالي:
التيار الداعي للإصلاح الداخلي أولًا | التيار الداعي لتطبيق شروط صندوق النقد الدولي فورًا |
- التفاوض مع الصندوق من موقع قوة بعد تحقيق إصلاحات داخلية. | - إعطاء الأولوية لإعفاء الديون عبر تطبيق "روشتة" الصندوق، بهدف "تصفير الدفتر" وبدء صفحة جديدة. |
- السيطرة على الموارد (الذهب)، تقييد الواردات الكمالية، وإصلاح النظام الضريبي. | - توحيد سعر الصرف ورفع الدعم عن السلع بشكل فوري. |
- التركيز على زيادة الإنتاج المحلي (كما نجح في موسم القمح). | - الاعتقاد بأن هذا هو الطريق الوحيد للحصول على قروض ودعم جديد. |
في النهاية، تم اعتماد الخيار الثاني، وهو ما أدى إلى صدمة اقتصادية عنيفة. وفي غضون ذلك، استمرت آليات النهب، حيث تم منح احتكارات خاصة لاستيراد البترول وتصدير الذهب، مما أثبت أن تغيير الوجوه لم يغير من بنية الفساد.
5.2. الحرب كتعبير عن صراع اقتصادي
تعتبر الحرب الدائرة في جوهرها صراعًا اقتصاديًا بين طرفين رئيسيين ورثا الاقتصاد المشوه لحقبة الإنقاذ:
- الجيش والإسلاميون: يسعون لاستعادة إمبراطوريتهم الاقتصادية الواسعة التي فقدوا أجزاءً منها بعد ثورة ديسمبر.
- قوات الدعم السريع: تسعى لتوسيع إمبراطوريتها الاقتصادية القائمة على نهب الذهب، والتجارة الحدودية، والارتزاق، بهدف السيطرة على الدولة بأكملها.
إن هذه الحرب هي "حرب بالوكالة"، حيث تتلقى الأطراف المتحاربة دعمًا خارجيًا يضمن استمرارها. وكل يوم إضافي فيها يعني تدمير ما تبقى من البنية الاقتصادية للسودان، وإخضاع مستقبل البلاد بالكامل للإرادة والمصالح الأجنبية. وأمام هذا الواقع، يبقى أي حديث عن إعادة الإعمار مجرد وهم طالما أن آلة الحرب مستمرة.
--------------------------------------------------------------------------------
6.0 الخلاصة: حلقة مفرغة من التبعية والصراع
يكشف هذا التحليل عن مسار تاريخي مأساوي للاقتصاد السوداني، يمكن تلخيص نتائجه النهائية في النقاط التالية:
- استمرارية البنية الاستعمارية: ظل الاقتصاد السوداني أسيرًا لبنية التبعية التي أُرسيت في العهد الاستعماري. وقد فشلت جميع الأنظمة الوطنية المتعاقبة في تفكيك هذه البنية، بل تكيفت معها واستغلتها لخدمة مصالحها الفئوية الضيقة على حساب التنمية الشاملة.
- الفساد كآلية للتدمير: تحول الفساد، خاصة في حقبة الإنقاذ، من ظاهرة هامشية إلى أداة أساسية للحكم ومنهج لتوزيع الثروة. وقد أدى هذا الفساد "المحمي" إلى تدمير ممنهج للقطاعات الإنتاجية التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد، مثل السكك الحديدية ومشروع الجزيرة وصناعة النسيج.
- الحرب كصراع اقتصادي: إن الحرب الحالية ليست انحرافًا عن المسار، بل هي النتيجة الحتمية لهذا التاريخ الطويل من الاستغلال والتدمير. إنها صراع مسلح بين ورثة هذا الاقتصاد المشوه للسيطرة على ما تبقى من موارد الدولة. ويؤكد هذا الواقع المبدأ الأساسي القائل: "لا يمكن الحديث عن اقتصاد في ظل الحرب"، وأن المخرج الوحيد من هذه الكارثة يبدأ بوقف الحرب كشرط أولي وأساسي لأي محاولة جادة للتعافي الاقتصادي.
تعليقات
إرسال تعليق